البداية | خريطة الموقع | الجديد | إتصل بنا | English
القائمة الرئيسة
البداية
الدعوة إلى الله
ساحة المسجد
المرأة المسلمة والطفل
أخبار العلماء وطلاب العلم
دروس ومحاضرات
كتب ومطويات ونشرات
الفتاوى

المكتب التعاوني
المكتب التعاوني
من إنجازات المكتب
قالوا عن المكتب
شاركنا أرباحنا
إتصل بنا
روابط إسلامية
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمْوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
(سورة النحل الآية : 125 )

أستاذ الأساتيذ

بقلم : أحمد بن عبدالعزيز الحمدان

قال الله تعالى (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد، أفإن مت فهم الخالدون. كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالبشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) وقال تعالى (فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين).

قيل لابن عباس رضي الله عنهما: وهل تبكي السماء على أحد؟ قال: نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء، منه ينزل رزقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء فقده فبكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها، ويذكر الله فيها بكت عليه. إن العالم إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً.

قال الله تعالى (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب) لا والله لا يستوون، وكيف يستوي عالم بغير عالم، والله تعالى قرن شهادتهم بشهادته فقال (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) وأخبر أنهم أهل خشيته فقال (إنما يخشى الله من عباده العلماء).

وإن من أعظم الرزايا التي تصيب الأمة المسلمة موت علمائها، لأن تعويضهم عزيز، وأثر موتهم على الناس ظاهر، متى عرف الناس لهم قدرهم ، وأنزلوهم منازلهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتنوا بغير علم فضلوا وأضلوا).

ولقد مات في يوم الأربعاء الموافق 15/10/1421هـ أستاذ الأساتيذ ومعلم المعلمين الذي ملأت دروسه الدنيا، وتتلمذ عليه ألوف مؤلفة من طلاب العلم، وجثوا على الركب بين يديه ، ما تركت دروسه المكتوبة والمسموعة بلداً إلا دخلته ، ولا طالب علم إلا انتفع بها ، حتى بلغت أقبية السجون ، ومخابئ المقهورين ، عالم الأمة وحبرها ، سماحة شيخنا العلامة محمد بن صالح بن محمد بن عثيمين ، أبو عبدالله التميمي الوهيبي ، قدس الله روحه ، ونور ضريحه ، وألحقه بالصالحين آمين .

ودعنا ، وفارق هذه الدنيا ، نعم فارقها بجسده ، تحقيقاً لما كتب الله تعالى على عباده (كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون).

مات الجسد وبقيت سيرته العطرة ، وكلماته الرصينة ، وتأصيله العلمي ، وتدقيقه الأصولي ، وتقعيده للمسائل ، وتعليمه للمعلم كيف يتعلم ليعلم ، وهكذا يعيش العظماء بعد موتهم ، العظماء الذين لم يكونوا يعيشون لأنفسهم ، ولا لرغباتهم ، ولا لشهواتهم ، بل كانوا يعيشون للصلاح والإصلاح.

مات صاحب العقيدة الصلبة النقية السلفية ، وصاحب الخلق الحسن ، والسلوك القويم والتودد إلى الخلق ، والصفح عن المعتدي ، والإعراض عن الجاهل ، وهداية الخلق أجمعين.

مات الرجل الذي علم العلم ، وأمر به ، وحث عليه ، وحارب الجهل ، وحذر منه ، وسعى جاهداً لإزالته ، وظل عشرات السنوات وهو يعلم الناس الخير. قال أبو أماة الباهلي رضي الله عنه : ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم فقال صلى الله عليه وسلم : (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) ثم قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير).

قال: الفضيل بن عياض : عالم عامل معلم يدعي كبيراً في ملكوت السموات.

كان من حرصه على تعليم الناس الخير أنه في دروسه يقعد ويؤصل ، ويشرح ويعيد شرحه ، ويسأل من حوله وأمامه ، ويحرص على فهم الناس لكلامه ، وإدراكهم للمسائل العلمية التي يوردها ، فنشر الله تعالى ذكره في كل مكان ، وأقبل الناس على دروسه على اختلاف مشاربهم ، وأصبح طلاب العلم يتعلمون من طريقته في التدريس كيف يدرسون.

ومن ذلك أن مجموعة من الشباب ذهبوا إلى مصر في مهمة رسمية ، واختلفوا فيما بينهم في بعض المسائل ، فدلهم مرافقهم على فضيلة الشيخ عبدالحميد كشك رحمه الله فلما عرف الشيخ أنهم من السعودية قال لهم : تسألوني وعندكم الشيخ محمد العثيمين؟ قالوا: يا شيخ وتعرفه؟ قال: أنا استمع بسماع تأصيله العلمي في دروسه.

وفي حج عام 1416هـ كنت مرافقاً لسماحته وهو يزور الحجاج - كعادته كل سنة - يسلم عليهم ويحدثهم ويجيب على أسئلتهم في مطار الملك عبدالعزيز بجدة ، ودخلنا صالة استقبال كان فيها حجاج من جمهورية من الجمهوريات الإسلامية التي كانت تحت الحكم الروسي، وكان أصغرهم سناً قد بلغ الستين ، وليس فيهم من يتكلم العربية ، فسأل الشيخ إن كان معهم مترجم يترجم كلامه إليهم ، فلم نجد إلا شاباً سعودياً كان في استقبالهم يتحدث بلسانهم، فطلبنا منه أن يترجم كلام الشيخ فوافق ، وأخذ الشيخ يتحدث والشاب يترجم ، وفي أثناء حديثه دخل شاب يركض - علمنا فيما بعد أنه مرشد الحملة - وإذا به يتحدث العربية بطلاقة ، وطلب أن يقوم بالترجمة وأخذ مكبر الصوت ، وهو لا يعلم من هو الشيخ حتى فرغ الشيخ من حديثه ثم جاء يسلم ، فقلنا له: هذا الشيخ محمد العثيمين ، وإذا بالشاب ينظر إلى الشيخ باستغراب وقد اتسعت حدقتا عينيه وقال : الشيخ محمد بن صالح العثيمين ، فاستغربا من معرفته لاسم الشيخ ، وقلنا : نعم . وإذا به يضم الشيخ بذراعيه وأخذت الدموع تنهال من عينيه ، وهو يقول : الشيخ محمد العثيمين ويكرر اسمه فرحاً ، ثم ما لبث أن أخذ مكبر الصوت ، ونادى في أفراد الحملة بكلام لم نفهم منه سوى ترديده لاسم الشيخ ، وكانت المفاجأة أكبر عندما أخذ أصواتهم وهم يرددون اسم الشيخ : الشيخ العثيمين ، وقال الشاب : يا شيخ هؤلاء كلهم طلابك ، هؤلاء كانوا يدرسون كتبك في الأقبية تحت الأرض لما كان تعليم الإسلام عندنا ممنوعاً ، وهم في شوق للسلام عليك ، فهل تأذن لهم ، وأذن لهم الشيخ فأقبلوا يقبلونه ويقبلون رأسه ويديه وهم يبكون ويرددون اسمه ، فكان من أشد المواقف تأثيراً ، وما أعلم من بقي في ذلك المكان إلا وبكى تأثراً بما رأى وسمع.

فنسأل الله أن يرحمه رحمة من عنده وأن يسكنه فسيح جناته وأن يثبتنا على دينه حتى نلقاه ، وأن يعوض الأمة الإسلامية بعلماء ربانيين ، إنه ولي ذلك والقادر عليه


المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات - 1421هـ
info@islamic-ef.org