البداية | خريطة الموقع | الجديد | إتصل بنا | English
القائمة الرئيسة
البداية
الدعوة إلى الله
ساحة المسجد
المرأة المسلمة والطفل
أخبار العلماء وطلاب العلم
دروس ومحاضرات
كتب ومطويات ونشرات
الفتاوى

المكتب التعاوني
المكتب التعاوني
من إنجازات المكتب
قالوا عن المكتب
شاركنا أرباحنا
إتصل بنا
روابط إسلامية
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمْوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
(سورة النحل الآية : 125 )

في وداع عام 1422هـ


الحمدلله مدبر الأكوان ومصرف الأزمان عالم ما سيكون وما قد كان ، احمده سبحانه وأشكره على كل نعمة أنعم بها علينا في أي زمان أو مكان ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وعد عباده المتقين نعيم وبحبوحة الجنان وتوعد الكافرين والعصاة المعاندين جحيم النيران ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير بني الإنسان ، والمبعوث للثقلين كافة الإنس والجآن صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ماصفت بين يدي الله قدمان ، ومابكت من خشية الجبار عينان .

أما بعد : فأوصيكم عباد الله بتقوى الله في السر والعلن وفي كل مكان وزمان فهي السبيل للنجاة من النيران والفوز بالجنان يقول ربكم جل وعلا :{ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا(68)ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَانِ عِتِيًّا(69)ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا(70)وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا(71)ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا(72)}مريم.

أمة الإسلام ها نحن نودع عاماً هجرياً جديداً ، هاهي صفحة من أعمارنا تطوى بما أودعناها من خير أو شر ، كم من أعمالٍ فعلناها ونسينا أننا فعلناها سُجلت وكُتبت وحُفظت ثم نلقاها غداً أمامنا عياناً يقول العليم الخبير :{ يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(6}المجادلة ، كل خير وكل سوء سُجل عليك ياعبد الله {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(30}آل عمران كم من الناس يسعى في هذه الدنيا ولا يُلقي بالاً لأعماله ومايفعله ثم إذا به يُدهش غداً وينادي بنداء ملؤه الحسرة البالغة {يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(49}الكهف، غداً تتعطل جميع أسباب العزة الدنيوية غداً يصرخ كل من شغل بها عن آخرته صرخة ندم قائلاً على رؤوس الأشهاد :{ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه(25)وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه(26)يَالَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ(27)مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه(28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه(29}الحاقة،

فقولوا لمن شغل وقته بالمسلسلات قولوا لمن ملأ وقته بما تبثه الدشات قولوا لمن ملأ سمعه بالأغنيات الماجنات قولوا لمن أغضب رب الأرض والسموات قولوا له أفق فأنت على حافة الهاوية ، قولوا له قف مع نفسك وانظر هل أنت تسير في الاتجاه الصحيح ، قولوا له لقد أخبر نبيك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم أن الذكي الفطن هو الذي يقف مع نفسه لحسابها حيث قال : (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ) هل يرضيك أن تكون من العاجزين ، قولوا لمن شُغل وفُتن بالنساء فأصبحن كل همه سواء في صور المجلات أو على الشاشات أو الأسواق أو بالهاتف بأن ظفر واحدة من الحور العين يفوق نساء الدنيا الساقطات بأسرهن ولا مجال للمقارنة ، قولوا له هل امرأة ترى مخ سوقها من فوق اللباس خير أم من تلهث خلفها في الدنيا ؟ هل امرأة لو أطل طرف خمارها على الدنيا لعطر مابين المشرق والمغرب خير أم من تجملت بروائح مصطنعة ؟ هل امرأة لو أطلت بوجهها لأضاءت من جمالها الدنيا وحجبت الشمس خير أم من اكتسى وجهها بسواد وذل المعصية ؟ هل امرأة طاهرة خالصة لك لم يطمثهن إنس قبلهم ولاجآن خير أم من هي كحمام عام يقضي كل فيها حاجته ؟ هل امرأة تقضي معها لذة دائمة في عمر لانهاية له خير أم امرأة تقضي منها لذة عابرة تعقيها الأمراض المستعصية وفضيحة الدنيا وقد تساق لساحة القصاص لإقامة الحد عليك ؟ ولايعني ستر الله عليك أنه غافل عنك ، وإن فاتك عذاب الدنيا فما عند الله من عذاب أشد وأبقى ، قولوا لمن سار في طريق الرذيلة وأطاع الهوى والشيطان كيف بك لو فارقت روحك جسدك وأنت على تلك الحال الخبيثة ؟ أتنادي { رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت } ؟ لن يفيدك النداء وسيظهر خزيك يوم القيامة حينما تبعث على تلك الحال المزرية ، كنت تختبيء في الدنيا من أشخاص معدودين ولكن اليوم تفضح أمام الخلائق أجمعين من لدن آدم إلى آخر ماخلق رب العالمين ! يا أُخي استمع لنصيحة من محب لك مشفق عليك لاتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير لاتستبدل نعيماً ومتعة سرمدية ، بشقاء سرمدي لقاء نزوة عارضة ولذة زائلة ، فإن كل نعيم الدنيا الذي يخطر على بالك والذي لايخطر عليه لايعادل غمسة واحدة في جهنم ، قد تقول أنا شاب وأجد عنتاً ومشقة وضيق ، فأقول لك إن عنت وضيق وشقاء الدنيا كله مما يخطر على بالك ومالا يخطر عليه لايعادل غمسة واحدة في الجنة ،

هل ترضى برسولنا صلى الله عليه وسلم حكم بيني وبينك؟ إذا استمع معي ماذا يقول :(يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ )مسلم، أخي الحبيب قد تقول لي أسرفت في الذنوب وأكثرت في الخطايا فما العمل ؟ أقول لك إن ربك رحمان رحيم لايحرص على عذابك بل هو على رحمتك أحرص وهاهو يناديك وينادي كل من عصاه بنداء خالد ملؤه الرحمة الواسعة حيث يقول :{ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53}الزمر ، فاقبل على ربك واسكب دموع الندم بين يديه عل الكريم أن يغفر لنا ولك وأن يكتبنا وأياك من التائبين .

أيها الأحبة في الله وهناك فئة أنار الله بصيرتهم وهدى قلوبهم ، أقبلوا على الله فقبلهم الله وأعانهم نسأل الله جلت قدرته بأسماءه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا جميعاً وأباءنا وأمهاتنا وإخواننا وأزواجنا وذرياتنا والمسلمين من عباده المهتدين ، نقول لهؤلاء هنيئاً لكم ما من الله به عليكم من الهداية ، نقول لذاك العبد هنيئاً لك عمَّرت أوقاتك بطاعة الله فأنت إن جاءتك سكرة الموت راكعاً بعثت راكعاً وإن أتتك ساجداً بعثت ساجداً وإن أتتك وأن تتلوا كتاب الله بعثت يوم القيامة لكتاب الله تالياً وإن أتتك وأنت ملبياً بعثت ملبياً وإن أتتك وأنت تذكر ربك بعثت لله ذاكرا ، أنت في سكرة الموت تأتيك رسل الرحمن بالبشرى :{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ(32}فصلت، أنت أَمَّنك ربك من فتنة القبر حيث قال :{ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ(27}ابراهيم، أنت في أمن يوم الفزع الأكبر ، وأنت في ظل عرش الرحمن يوم لاظل إلا ظله كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه حيث قال:(سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ )، البشارات لك أخي كثيرة ولعلك أعلم بها من خلال مطالعتك الدائمة لكتاب ربك وأحاديث نبيك

لو أن الطاعات التي يقدمها المرء لله ليست هي منة من عنده فالله غني عن عبادته يقول جل وعلا في الحديث القدسي :(ياعبادي لو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم مازاد ذلك في ملكي شيئاً ..)،فيجب أن يعلم أن العبادة التي يقدمها إنما هي لنفسه ولنجاته ولله له المنة البالغة يقول تعالى:{ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ}الحجرات،ثم أوصيه أن يدرك فضل الله عليه بهذه النعمة فلا ينظر لأهل المعاصي نظرة ازدراء واحتقار وتجريم فهو لو لم ينعم الله عليه بالهداية لربما كان أشد منهم فسقاً وعتواً،لكن لينظر إليهم نظرة رحمة وشفقة بهم و لتكن كنظرة الطبيب للمريض يرحمه ويبذل جهده في تلمس العلاج الشافي له،فالنظرة الأولى تدعوك للقسوة والغلظة والنظرة الثانية تدعوك للحكمة والموعظة الحسنة وهي التي أمر بها الرحمن جل وعلا بقوله:{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}النحل،ثم إن هذه النعمة تحتاج منك لشكر حتى تزيد وتدوم ، وشكر نعمة الهداية أن تسعى لتحبيب الناس في طريق الخير وتحذيرهم من طريق الغواية والشر ما استطعت لذلك سبيلا ،

أخي الحبيب أُحذرك من مدخل خطير من مداخل الشيطان ألا وهو الغرور بالطاعة فلا مانع من أن تفرح بطاعة الله وأن الله قد وفقك لها أما أن تغتر بتلك الطاعة وترى أنك فعلت الذي لم يُفعل وقدمت لله شيئاً كثيرا فأياك وهذا وما يدريك أنه قد يُحبط عملك،ثم أوصيك بالإكتار من النوافل والطاعات بعد الفرائض فهي السبيل لمحبة الملك الديان وحمايته ونصرته ولعلك سمعت الحديث القدسي الذي يقول فيه الباري جل وعلا:(مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ )البخاري

محاسبة النفس في نهاية العام


يا أحبتي تعالى ربنا أن يخلق السموات والأرض وما بينهما بلاحكمة : { وما خلقنا السماءَ والأرضَ ومابينهما لاعبين} (الأنبياء : 16) ، وتبارك وتقدس أن يترك الإنسان السوي بلامهمة : { أيحسبُ ألإنسأن ُ أن يتركَ سُدى } {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لاترجعون}(المؤمنون:115) .

خلق الخلق ليعبدوه وأنشأهم من الأرض واستخلفهم فيها ليطيعوه ويتقوه ، فمن أراد دوام العافية ومن رام حسن العاقبة ..فليعبد الله وليتقه ؛ عبادة وتقوى على الدوام ، واستقامة على الهدى في جم يع الشهو والأيام ليس لعموم الطاعة زمن محدود وليس للتقوى موسم مخصوص ..

ولئن تفاضلت بعض الأيام والشهور وتضاعفت في بعض المواسم الأجور . فما ذلك إلا من أجل مزيد العمل ، وتنشيط الهمم ..تألف فيها النفوس الطاعة وتستيقظ فيها من بعد غفلة .

والمغبون من لم يعرف ربه إلا في أيام معلومة أو ساعات معدودة ..ثم يعود من بعد ذلك إلى غيه وغفلته ، ينتكس في المعاصي ، ويرتكس في الآثام ونعوذ بالله من الخذلان .

معاشر الأحبة ، ولئن ودع المسلمون مواسم الخير من ذي الحجة ..فها هم في وداع عام هجري ليستقبلوا عاماً غيره فحق عليهم الوقفة الصادقة مع النفس محاسبة ومساءلة . فوالله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتىجزون بما كنتم تعملون فجنة للمطيعين ، ونار جهنم للعاصين { أفمن يلقى في النار خيرٌ أم من يأتي ءآمناً يوم القيامةِ اعملوا ما شئتم إنه بماتعملون بصير} (فصلت:40) أحباب الله من غفل عن نفسه تصرمت أوقاته ثم اشتدت عليه حسراته وأي حسرة على العبد أعظم من أن يكون عمره عليه حجة . وتقوده أيامه إلى المزيد من الردى والشِقوة .

إن الزمان وتقلباته أنصح المؤدبين ، وإن الدهر بقوارعه أفصح المتكلمين ..فانتبهوا بإيقاظه ، واعتبروا بألفاظه . ورد في الأثر ((أربعة من الشقاء :جمود العين ، وقسوة القلب ، وطول الأمل ، والحرص على الدنيا )).

معاشر من أمن بلقاء ربه : من حاسب نفسه في الدنيا خف يوم القيامة حسابه ، وحسن في الآخرة منقلبه ، ومن أهمل في المحاسبة دامت حسرته وساء مصيره ، وما كان شقاء الأشقياء إلا أنهم كانوا لايرجون حساباً ، وقعوا ضحايا خداع أنفسهم ، أحابيل شيطانهم وافتهم المنايا وهم في غمرة ساهون .

في الشباب من غره شبابه فنسي فقد الأقران ، وغفل عن سرعة المفاجآت، وتعلق بالآمال والأماني وماهي والله إلا أوهام الكسالى ، وأفكار اللاهين ، وما الأعتماد عليها إلا بضاعة الحمقى ، ورؤوس أموال المفلسين ، والتمني والتسويف إضاعة للحاضر والمستقبل . وفي أهل العلم من جد في التحصيل وغفل عن العمل ، أُعطوا علوماً فصرفوها في الرياء والمجادلات ، والعلو على الأقران ، يمزق دينه من أجل ترقيع دنياه ، لايتحاشى غيبة ولاحسد .

وفي أهل الدنيا من صرف أمواله في الشهوات والمحرمات . وأشد هؤلاء من كسب مالاً ؛ فأدخله النار وورثه من بعده قوم صالحون عملوا فيه بطاعة الله فأدخلهم الله الجنة . ليس أعظم حمقاً ممن ضيع ماله وأصلح مال غيره ، وقد علم أن ماله ما قدم ومال غيره ما خلف . ألا ينظر هؤلاء وهؤلاء : لقد وهن العظم ، وابيض الشعر ، ورحل الأقران ، ولم يبق إلا الرحيل .

عجيب حال هذا الغافل : يوقن بالموت ثم ينساه ، ويتحقق من الضرر ثم يغشاه ، يخشى الناس والله أحق أن يخشاه ، يغتر بالصحة وينسى السقم ، ويفرح بالعافية ولا يتذكر الألم ، يزهو بالشباب ويغفل عن الهرم ، يهتم بالعلم ولا يكترث بالعمل ، يحرص على العاجل ولا يفكر في خسران الآجل ، يطول عمره ويزداد ذنبه ، يبيض شعره ويسود قلبه ، قلوب مريضة عز شفاؤها وعيون تكحلت بالحرام فقل بكاؤها . وجوارح غرقت في الشهوات فحق عزاؤها .

سبحان الله : ألم يأن لأهل الغفلة أن يدركوا حقيقة هذه الدار . أما علموا أن حياتها عناء ، ونعيمها ابتلاء . جديدها يبلى ، وملكها يفنى ، وُدَّها ينقطع ، وخيرها يُنتزع ، المتعلقون بها على وجل إما في نعمة زائلة ، أو بلايا نازلة ، أو منايا قاضية {ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاعٌ وإن الأخرةَ هيَ دارُ القرارِ}(غافر:39) العمر قصير ، والخطر المحدق كبير ، والمرء بين حالين : حالٌ قد مضى لايدري ما الله صانعٌ فبه ، وأجل بقي لايدري ما الله قاض فيه .

إذا كان المر كذلك أيه الأخوة فعلى صاحب البصر النافذ أن يتزود من نفسه لنفسه ، ومن حياته لموته ، ومن شبابه لهرمه ، ومن صحته لمرضه ، فما بعد الموت من مستعتب ، ولابعد الدنيا إلا جنة أو نار .

ومن أصلح ما بينه وبين ربه كفاه مابينه وبين الناس،ومن صدق في سريرته حسنت علانيته،ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه والمحاسبة الصادقة ما أوثت عملا فعليك ياعبد الله أن تستدرك مافات بما بقي فتعيش ساعتك ويومك ، ولا تشتغل بالندم والتحسر من غير عمل ، واعلم أن من أصلح ما بقي غُفر له ما مضى ، ومن أساء فيما بقي أُخذ بما مضى وبمابقي ، والموت يأتيك بغتة ، فأعط كل لحظة حقها ، وكل نَفَسٍ قيمته فالأيام مطايا ، والأنفاس خطوات والصالحات هي رؤوس الأموال ، والربح جنات عدن والخسارة نارٌ تلظى ، لايصلاها إلا الأشقى وأنت حسيب نفسك .

قرأ الحسن رحمه الله قوله تعالى : { عن اليمين وعن الشمال قعيد } فقال : يابن آدم :بسطت لك صحيفتك ، ووكل بك ملكان أحدهما عن يمينك ، والآخر عن شمالك ، فصاحب اليمين يكتب الحسنات وصاحب الشمال يكتب السيئات . فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر ، فإذا مت طويت صحيفتك وجعلت في عنقك فتخرج يوم القيامة فيقال لك : { إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً } قال رحمه الله : عدل -والله - من جعلك حسيب نفسك .


المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات - 1421هـ
info@islamic-ef.org